محمد علي الحسن
263
المنار في علوم القرآن
فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [ يوسف : 49 ] . بعد ذكر أقوال السلف فيها ، مع توجيهه للأقوال ، وتعرضه للقراءات ، فيقول ما نصه : « . . . وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب ، يوجه معنى قوله : « وفيه يعصرون » إلى : وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من العصر ، والعصرة التي بمعنى المنجاة ، من قول أبي زبيد الطائي : صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود أي : المقهور ، ومن قول لبيد : فبات وأسرى القوم آخر ليلهم * وما كان وقّافا بغير معصّر وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه ، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين » « 1 » . أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره ، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها ، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف ، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير ، فيوثق الرواة ويجرحهم ، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها ، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى : فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [ الكهف : 94 ] فيقول ما نصه : « روي عن عكرمة في ذلك - يعني في ضم سين ( سدّا ) وفتحها - ما حدثنا به أحمد بن يوسف ، قال : حدثنا القاسم ، قال حدثنا : حجاج ، عن هارون ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين ، وما كان من صنع اللّه فهو السّد ، ثم يعقب على هذا السند فيقول : « وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر ، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه » « 2 » ا ه . ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] فيقول ما نصه : « فإن قال قائل : فأي النكاحين عنى اللّه بقوله :
--> ( 1 ) جامع البيان ج 12 ص 138 . ( 2 ) جامع البيان ج 16 ص 13 .